ابراهيم بن عمر البقاعي

448

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وشر الشرين فاجتنبه ، كان المحسن من جعل أكبر ذنوبه نصب عينيه وعمل على هدمه ، فلذلك علل الإحسان بقوله : لِيُكَفِّرَ أي يستر سترا عظيما كأنه قال : المحسنين الذين أحسنوا لهذا الغرض ، ويجوز أن يكون التعليل للجزاء ، وعبر بالاسم الأعظم لفتا عن صفة الإحسان إشارة إلى عظيم الاجتهاد في العمل والإيذان بأنه لا يقدر على الغفران لمن يريد إلا مطلق التصرف فقال : اللَّهُ أي الذي نصب المحسن جلاله وجماله بين عينيه ، فاستغرق في صفاته ابتغاء مرضاته ، فعبده كأنه يراه ، وحقق الأمر باعترافهم بالخطأ وقصدهم التكفير لما أهمهم فعلهم له بقوله : عَنْهُمْ أَسْوَأَ العمل الَّذِي عَمِلُوا وتابوا عنه بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود وقد علم أنه إذا محي الأكبر انمحى الأصغر لأن الحسنات يذهبن السيئات ، فلله در أهل البصائر والإخلاص في الإعلان والسرائر ولما أخبر بالتطهير من أوضار السئ ، أتبعه الإخبار بالتنوير بأنوار الحسن فقال : وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ أي الذي تفضل عليهم بالوعد به . ولما كان تعالى مفضلا يزيد العمل الصالح ويربيه ، زاد الجار في الجزاء إعلاما بأنه يجعل الأعمال الصالحة كلها مثل أعلاها فقال : بِأَحْسَنِ ولما كان مقصود هذه السورة أخص من مقصود سورة النحل ، وكانت « الذي » و « من » أقل إبهاما من « ما » قال : الَّذِي أي العمل الذي ، وهو كالأول من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه كخاتم فضة ، وأشار إلى مداومتهم على الخير بالتعبير بالكون والمضارع فقال : كانُوا يَعْمَلُونَ * مجددين له وقتا بعد وقت لأنه في طبائعهم فهم عريقون في تعاطيه ، فمن كان في هذه الدار محسنا في وقت ما يعبد اللّه كأنه يراه فهو في الآخرة كل حين يراه ، قال القشيري ، ثم يجب أن يكون على أحسن الأعمال أحسن الثواب ، وأحسن الثواب الرؤية ، فيجب أن يكون على الدوام . وهذا استدلال قوي . ولما فهم من قوله : « وكذب بالصدق إذ جاءه » أن المشركين يكذبونه ، وكان من طبع الآدمي الاهتمام بمثل ذلك ولا سيما إذا كان المكذب كثيرا وقويا ، وتقرر أنه سبحانه الحكم العدل بين المتخاصمين وغيرهم في الدنيا والآخرة ، ولزم كل سامع الإقرار بالآخرة ، وبشر المحسنين وحذر المسيئين ، وكان من المعلوم أنهم يحذرونه آلهتهم كما يحذرهم إلهه ، حسن كل الحسن قوله مقرا للكفاية غاية الإقرار ، ومنكرا لنفيها كل الإنكار : أَ لَيْسَ اللَّهُ أي الجامع لصفات العظمة كلها المنعوت بنعوت الكمال من الجلال والجمال ، وأكد المراد بزيادة الجار لما عندهم من الجزم بأنهم غالبون فقال : بِكافٍ وحقق المناط بالإضافة في قوله : عَبْدَهُ أي الخالص له الذي لم يشرك به أصلا كما تقدم في المثل ممن كذبه وقصد مساءته فينصره عليهم حتى يظهر